تقاسيم على أوتار العمر
ما أكثرني مزدحم بنفسي ......... ما أشد وحشتي ليس في عيني أحد
.
.

عباس

أذينة العلي
 
اليوم أول أيام عيد الفطر السعيد
كالعادة بدأنا جميعا بالتوافد إلى بيت جدتي العجوز ولا يحل الليل إلا وتكون العائلة
كلها قد اجتمعت كطقس عائلي لا يغيب عنه أحد ،  وبعد الإ نتهاء من إعداد الطعام                                           
نجلس جميعا على كراسي القش التي لا تفرط بها جدتي أبدا وتبدأ السهرة التي غالبا
ما تستمر حتى بزوغ الفجر 0
كنا جميعا بانتظاره وكان أول سؤال لمن يصل هو: هل وصل ؟ فقد كان نجم سهرات العائلة باعتراف الجميع وكان الاستماع إلى قصصه متعة ما بعدها متعة
مع أننا نعرف جميعا أن نسبة الحقيقة فيها لا تتعدى الخمسة بالمئة ولكن قسما منا
كان معجبا بطريقته في سرد الأحداث وباستخدامه الموفق لصوته المميز النبرة
والقسم الثاني يعير اهتمامه الأكبر لزوجته التي كانت كل تفاصيل وجهها تشترك
في رسم تعبير  ( ياالله كم أن زوجي عظيم ) كما أنها أحيانا تشهد له بصحة أقواله
والقسم المتبقي كان يرى فيه مشروع كاتب قصصي له مستقبل المهم أننا ماكنا
لنسهر بدونه أو بدون حكاياته عن نفسه التي تثبت دائما أنه لولا تمسكه بقيمه وأخلاقه
ومبادئه لكان أصبح شخصا مهما  فتارة كان سيصبح سياسيا وتارة خسر في آخر لحظة فرصة ليصبح نجما تلفزيونيا والنهاية كالعادة عندما يفرغ جعبته يبدأ بالغناء
ويسمعنا ضروبا متنوعة من ألوان النشاز ليقول: ها أنتم تسمعون كم هو صوتي
جميل ولكن ( شغلة المطرب ماعجبتني ) وإلا مين وديع الصافي أو عبد الحليم 0
كنا نعرف عنه كل شيء فهو قريبنا ولكننا لطالما تظاهرنا بأننا لا نعرف شيئا لكي
لا نحرجه فهو لم ينجح بعد نيله البكالوريا بمتابعة دراسته على الرغم من دخوله  عدة معاهد وكليات و قد جرب نفسه في كل المجالات دون جدوى وكان ينهي كل قصصه
بهذه الجملة قائلا: وعند هذه اللحظة بالذات أحسست يا شباب أنني أمام خيارين لا ثالث لهما وتذكرت قول السيد المسيح – وكنا هنا نكمل عنه قائلين: ما الفائدة للإنسان
لو ربح العالم وخسر نفسه ويعود هو ليقول : فقلت ( يا ولد مابدها الأحسن تنسحب
و تحافظ على كرامتك ) 0
طبعا لم نكن ننسى عند وصوله لهذه الجملة أن نقاطعه لنؤكد له صوابية قراره
وكان هو يطرب لذلك ويلتفت إلى زوجته وابتسامة النصر على ثغره قائلا: 
 ( ماقلتلك) 0
وهنا تكون قصته قد انتهت فتتوالى منّا ردود الفعل عليها ولا تنتهي إلا ببدئه لقصة
أخرى 0
هاهو قد وصل وبدأنا جميعا بالترحيب به واستنكار تأخره ( وهذا ماكان يشعره بأهميته فيبدأ بالاعتذار لنا وكأنه قصّر في أداء واجب مقدس) 0
- ( اليوم بدّي أحكيلكم كيف قابلت السفير الأمريكي )
تطلع الجميع إليه باهتمام بالغ وقال أحدهم: ( معناها السهرة عمرانة اليوم )
 
 
دخلنا جميعا إلى البيت المؤلف من غرفة واحدة كبيرة وتحلقنا حول الطعام المفروش
على الأرض 0
كانت أصوات الصحون و الملاعق ونحن نأكل كأنها موسيقا لعرض عسكري
ولكنّ الجميع ينسون آلامهم وهمومهم في مثل هذه اللمّة العائلية ويظهرون سعداء
ولم يكن هناك ألذ من الطعام الريفي الذي تعده جدتي أبدا 0
- هيا تعالوا إلى هنا 0 ناديت الجميع بعد أن انتهوا من العشاء تباعا وقد حان الوقت
لبدء السهرة 0
جلسنا وشربنا الشاي الذي تصنعه جدتي على الحطب وبدأنا نعد العدة لسماع قصة
جديدة وعندما هم بالحديث خطرت لي فكرة فقاطعته قائلا: لماذا لا تحكي لنا هذه المرة قصة حقيقية مئة بالمئة ؟
فاجأه طلبي كما فاجأ الجميع ورمقني بنظرة نبيّ لكافر يشكك في نبوته وقال:
وهل كنت أحكي لكم قصصا كاذبة ؟
نظر إلي الجميع وكأنني ارتكبت خطأ كبيرا وأخذ البعض      يهدىء من روعه ثم 
تعالت الأصوات المؤيدة لفكرتي فبدأ يتصبب عرقا وأحس أن كل مابناه تهدم في لحظة واحدة فحاولت استدراك الموقف وقلت: عفوا لقد أسأت فهمي أنا أقصد لم
لا تحكي لنا حكاية سلبية عنك هل أنت ملاك ألم تخطىء أبدا أم أنك مثل أبطال الأفلام الأميركية تنتصر دائما في النهاية ؟
وافقني كل الحاضرين وأخذوا يطالبونه بتحقيق رغبتي التي أصبحت رغبتهم أيضا
نظرت إليه وقد أصبح محمرا وانتبهت أن زوجته لم تكن معه اليوم وبدأ يتورم فجأة
وينتفخ ثم ما لبث أن أخذ حجمه يتضاءل حتى أصبح قزما نظر إلينا بخوف شديد
وأخذ يلتفت يمنة ويسرة ثم اتجه باتجاه الباب وبقينا نراقبه بدهشة وذهول حتى خرج0 0
نسيت أن أخبركم أن اسمه عباس 0
 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 24 يناير, 2007 03:23 ص , من قبل alasafaah
من المملكة العربية السعودية

شكر على هذه المدونة الجميلة




هل تريد ان تصلك رسائل مجانية

الى بريدك

اشترك في اقوى المجموعات البريدية


قروب الرمال

http://groups.yahoo.com/group/al_ramaal


قروب الناس

http://groups.yahoo.com/group/al_naaaaas



قروب العاصفة

http://groups.google.com/group/alasafaah99



قروب المدينة


http://groups.yahoo.com/group/al_madenaaaaaah/




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.