تقاسيم على أوتار العمر
ما أكثرني مزدحم بنفسي ......... ما أشد وحشتي ليس في عيني أحد
.
.

الجيران

الساعة الآن الثامنة كل الموظفين بدؤوا بالدخول إلى مكاتبهم أما أبو وضاح فهو حتما يشرب المتة في مكتبه منذ ربع ساعة لذلك  يصرح دائما أنه (متفضّل ) على الحكومة بربع ساعة يوميا منذ أن عمل في هذا المصرف ويبقى  بعد الدوام ربع ساعةأيضا حتى يحين موعد ذهابه  إلى الملعب البلدي القريب من المصرف لكي يحضر التمرين اليومي لفريق كرة القدم الخاص بنادي البلدة فأبو وضاح من كبار المشجعين لهذا الفريق, أصدقاءه اللاعبين فقط ومعارفه المهتمين مثله بالفريق وعنده القدرة على مناقشة أمور الفريق دون كلل أو ملل لساعات وساعات , طبعا من الضروري معرفة أن أبو وضاح لقب فهو غير متزوج بالرغم من وصوله لعمر الأربعين مع أنه يعترف بثماني وثلاثين فقط   وإذا كنت تحاول توقيع معاملة عند أبو وضاح فمن الأفضل أن تفتح حديث كرة القدم وفريقه الحبيب وقتئذ تنفرج أساريره و يسري الدم في عروقه وينتفض وكأنه استفاق من سبات طويل أما غير ذلك فأنت أمام لوح من الخشب لا تسمع صوته إلا بأسئلة مقتضبة لضرورة العمل متباطىء لدرجة الملل  يكاد لا يوقع المعاملة إلا بمعجزة 0
صباح الخير جارنا  0
لم يعذب نفسه بالنظر لمعرفة مصدر الصوت مع أنه قريب جدا فهو ليس جارا لأحد ,
صباح الخير يا جارنا أبو وضاح
هنا أدرك أنه المقصود ، رفع نظره قليلا ليرى فتاة طويلة شعرها أسود وعينيها خضراوين تلبس تنورة جينز قصيرة و قميصا أبيض قبته رجالية
( أمر    ) 0000 قال بنشافته المعهودة
 ( الله يسامحك هيك بتحكي معي ونحنا جيران ) و تابعت تدله على بيتها القريب فعلا من بيته ليدرك أنه يمر من أمام ذلك البيت كل يوم و لم يتذكر أنه رآها ولا مرة ولكنه لم يستغرب ذلك فهو لا ينتبه لأحد لأن طريقه للعمل مخصص لقراءة الصفحة الرياضية من جريدة الصباح  فقال لها بلهجة لا تخلو من اعتذار :
(بدك تعذريني ما بعرف حدا من الجيران )
( لا زم تكون شايفني كنت رفيقة أختك بالصف نفسه )
اجتاحه عطرها دون رحمة وجف حلقه وهو ينظر إليها بدهشة وقال:
(لازم شوف طبيب عيون في مشكلة بعيوني أكيد عندي هيك جيران وما شايفن)
ضحكت لإطراءته المفاجئة التي جعلته يستغرب نفسه ماذا يقول وقالت بدلال :
 (جارنا شفلي هالمعاملة لقرض عقاري بتمشي )؟
نظر إليها وكأنه اكتشف للتو وجود النساء على كوكب الأرض وقال بثقة :
( منمشيها ومنخليها تجري إذا بدك بس تكون أوراقك نظامية )
 - ( نظامية الأوراق جارنا تأكد منها بس المهم ما تتأخر )
فقال لها مطمئنا : ما  بتتأخر  انشا لله راجعيني بكرة على كل حال 0 0
شكرا كتير يا جارنا الله لا يحرمنا منك 0
أدارت ظهرها فأخذ يراقبها وهي تخرج بهدوء شديد حتى وصلت إلى الباب فالتفتت إليه مودعة : باي جارنا 0
وقف صارخا :الله معك 0
و قبل أن يستجمع أعصابه ويحاول فهم ما حصل معه جاءه أبو إياد جاره من المكتب المقابل  ليسأله عنها فأخذ يشرح له كم هي جارتهم وعن علاقة المرحوم والده بالمرحوم والدها فذهب أبو إياد صامتا لأنه لم يصدق وعرفه أبو وضاح أنه لم يصدق لأن زملاءه يعرفون أنه  لم تكن له علاقة بالنساء يوما همه الرياضة وأمه العجوز التي يعيش معها بعد وفاة والده وسفر أخيه للعمل بحرا وزواج شقيقته  , أعاد وضع إبريق الماء الذي برد على غازه الصغير ليشرب المتة , رتب الملفات أمامه وبقي جالسا وراء مكتبه دون حراك حتى انتبه لزملاءه في العمل يغادرون فنظر إلى الساعة مستغربا ولكنه تأكد أن الدوام انتهى 0
حضر التمرين في الملعب كالعادة وعاد إلى البيت ولم ينسى أن ينظر إلى  الشرفة هذه المرةولكنه لم يجد أحد , وضع المفتاح في الباب فتح ثم نادى أمه سائلا عن الطعام و الماء الساخن للحمام وهو ما يقوم به يوميا قبل سماع أخبار الرياضة و قراءة الجريدة حتى يحين وقت نومه 0
وفي الصباح التالي استيقظ مبكرا كالعادة تناول فطوره وهم بالخروج ولكنه فجأة أغلق الباب وعاد لغرفته ، نظر للمرآة اكتشف أنه يلبس نفس الثياب منذ شهرين ، فتح الخزانة ونادى أمه ليسألها عن قميص آخر ، تذكر أن صديقه عدنان أهداه قارورة  عطر منذ سنتين عندما أخذ الفريق بطولة الدوري ولم يستعملها بعد , جاءت العجوز أخذت تبحث له عن طلبه حتى وجدت له ما يريد 0
غير القميص وضع العطر نظر إلى المرآة متفحصا عدة مرات ثم خرج أمام أعين أمه التي كانت تراقبه ماذا يفعل دون أن تصدق ما ترى 0
مشى عدة خطوات وهو يسأل نفسه إن رآها هل يقول صباح الخير أم لا ربما سيمر بسرعة ولن ينظر كالعادة فالجيران يعرفون عاداته ولا أحد يعاتبه , حث الخطا عندما أصبح بمحاذاة شرفتها وأطرق رأسه للجريدة حتى كاد يرتطم بأحد المارة ولكنه سرق نظرة إلى الشرفة الخالية وعندما وصل لمكتبه تنفس الصعداء ووضع الإبريق على النار  تذكر أنها ستراجعه اليوم , ماذا ستقول إذا كانت قد رأته صباحا ؟ جلس يفكر حتى دخل زميله عدنان وبدأ يحدثه عن تدريب البارحة وعن اللاعب العراقي المحترف في صفوف النادي وأخذ أبو وضاح يدلي برأيه وامتد الحديث 000000
صباح الخير جارنا ! 
وقف الدم في عروقه وطلب من عدنان السكوت والخروج بسرعة بحجة أن لديه عمل وقفز من وراء المكتب وقدم لها كرسي قائلا :
يا صباح النور جارتنا يا أهلا وسهلا 0
انتظرت واقفة حتى خرج عدنان المذهول بما حصل فالحديث عن النادي لا يقطعه شيء عند أبو وضاح ثم جلست وهي تبتسم 0
( شو بتشربي جارتنا قهوة ولا شاي )
( مافي داعي أنا مستعجلة بس الشاي أحسن )
( فورا تكرم عينك ثواني على كل معاملتك لازملا توقيع من فلان وفلان   00000000)
واستمر يشرح لها عن المعاملة بحماس شديد وهو يعد الشاي حتى قاطعته بصوت هادىء:
(يعني   بعد كم يوم بقدر أقبض )
( كلن تلت أيام انشالله مع أنو لغيرك بدها شهرين وأكتر )
( الله يكتر خيرك جارنا وشكرا كتير برجع بكرة )
خرجت مسرعة ولكنها لم تنس أن تقف على الباب وتقول بدلال : باي جارنا 0
 ناداها : الشاي ولكنها كانت قد خرجت فلم تسمعه , صب كأسين من الشاي وأخذ ينظر لهما ويفكر بها , أقنع نفسه بأنه بحاجة لثياب جديدة وقصة شعر عصرية وعطر 
رومنسي ليجعلها تنتبه له , قام عن الكرسي وانطلق بسرعة خارجا من المصرف وعيون زملاءه تراقب أبا وضاح يخرج باكرا لأول مرة في حياته 0   
قصد السوق وبقي أغلب يومه يبحث عن ثياب تعجبه ثم قصد الحلاق وقص شعره , نظر إلى الساعة فعرف أنه تأخر عن موعد تدريب الفريق وليس له الآن سوى العودة إلى البيت 0
وفي طريق عودته التفت إلى شرفتها ولكنه لم يرى أحدا فتابع مسيره إلى البيت ليجد لاعبي الفريق كلهم ينتظرونه على باب بيته فهو لم يغب عن تمرين لهم منذ أكثر من عشر سنوات وأصبحوا يألفون وجوده ولم يتوقعوا غيابه لأي سبب كان خصوصا بعدما حضر تمرينهم ليلة وفاة والده منذ سنتين , اعتذر منهم وألف لهم قصة عارض صحي ألم به ودخوله مسعفا إلى المشفى فهنأه الجميع على سلامته واطمأنوا عليه وذهبوا إلى بيوتهم 0
فور إغلاقه الباب دخل إلى غرفته وأخذ يقيس الثياب الجديدة ولم يرد على نداءات أمه من أجل الطعام , جلس على سريره وأخذ يردد عباراتها ولم يخرج من الغرفة حتى استبد به النوم 0
ارتدى ثيابه الجديدة صباحا ولم يسمع الأخبار بل وضع كاسيتا لفيروز وهو يحلق ذقنه وقرر في قلبه أن يصبح عليها إذا رآها , خرج من بيته وأسرع باتجاه بيتها وأبطأ خطواته بشكل ملحوظ دونما فائدة فليس هناك أحد على الشرفة , لم يستطع المضي أقنع نفسه أنه نسي شيئا وعاد أدراجه ثم رجع باتجاه بيتها ومرة أخرى لا أحد على الشرفة , أكمل طريقه إلى المصرف خائب الأمل دخل إلى المكتب وجلس ينتظر شيئا هو لم يستطع تحديده 0
لم ينتظر كثيرا حتى جاءت لتسأله عن معاملتها وعندما دخلت أشرق وجهه وظل واقفا كل فترة وجودها وهو تارة يحدثها عن القرض وتارة يبدي أسفه لأنه لم يكن يعرفها قبلا وعندما أخبرها أنها تستطيع الحضور غدا لتوقع السندات وتقبض القرض هبت واقفة وشكرته بقوة ولم تنس على الباب كلمتها المعتادة : باي جارنا0
ترك المكتب مع خروجها وذهب إلى عدنان ولكنه لم يدخل بل عاد إلى مكتبه وبقي فيه يكمل لها الأوراق من أجل أن تقبض غدا 0
وصل إلى المصرف في اليوم التالي متأخرا لأول مرة في حياته لأنه قد تقصد المرور أمام بيتها عدة مرات دون فائدة وعندما جاءت لتقبض رافقها بنفسه إلى كل المكاتب التي راجعتها وعد لها النقود وودعها إلى الباب وأهدته ال ( باي جارنا ) المعتادة ولكن بعد ديباجة شكر طويلة أكدت فيها على جيرته ومعروفه الذي لن تنساه أبدا وأحس أبو وضاح بالنشوة العارمة وبأنه انتصر وكان همه العودة إلى البيت ورؤيتها على الشرفة خصوصا بعد هذه الخدمة التي قدمها لها وأخذ يسأل نفسه كيف سيسلم عليها ومن المؤكد أنها ستدعوه لشرب القهوة وهل سيدخل أم لا وظلت الأفكار تدور في رأسه إلى أن انتهى الدوام فخرج قبل الجميع واستقل سيارة أجرة أنزلته قبل بيتها بقليل ولمحها على الشرفة وبدأ قلبه يخفق بقوة , رأته هي فتمالك أعصابه ورفع رأسه باتجاهها قائلا : مرحبا جارتنا
نظرت إليه وكأنها لم تره يوما ولم ترد
وقف مشدوها وهو يراقبها تدخل وتذكر أنه مازال يستطيع اللحاق بموعد تدريب الفريق0

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.